حافظت الجالية اليهودية في مدينة مشهد في محافظة خراسان في إيران على هويتها اليهودية على مدار 120 عاماً وهي مثال للبطولة والوطنية
د. ريفكا شيفك-ليسك 8.10.2008
تقع مدينة مشهد في محافظة خراسان شمال شرق إيران، على مقربة من الحدود مع أفغانستان. المدينة هي مدينة مقدسة لدى المسلمين الشيعة لأن قبر الإمام رازا وهو نبي مسلم شيعي يقع هناك. لم يسمح لليهود حتى القرن الـ 17 بالسكن في المدينة لكي "لا يدنسوا بوجودهم" القبر المقدس.
تقول إحدى الروايات بأنه تم دعوة اليهود للسكن في المدينة سنة 1734؛ في حين تؤكد رواية أخرى على ان ذلك كان في سنة 1747 إذ دعى الشاه نادر اليهود بعد عودته من رحلة احتلال الهند. اختار الشاه الذي اعتبر حاكما متسامحاً المشهد لتكون عاصمته وأحضر معه 17 عائلة يهودية لتدير كنوزه. لسوء حظ اليهود، قتل الشاه بعد وقت قصير من ذلك ومع مقتله تغيرت معاملة سكان المدينة الشيعة لليهود الذين اضطروا الى السكن خارج الأسوار.
لم يتقبل المتطرفون الشيعة وجود اليهود وفي 26/27 آذار لسنة 1839 وفي أعقاب فريات الدم التي اتهم بها فتىً اليهود، أعلن المتطرفون الشيعة "الجهاد".
في كتابه "مطرودي إسرائيل" يروي يتسحاق بن تسفي قصة فرية الدم. في يوم 11 محرم، وهو يوم مقدس ويوم صوم ومبكى للمسلمين الشيعة، توجهت امرأة يهودية إلى "طبيب" فارسي ليعالج يدها من داء البرص. طلب منها هذا الطبيب، وهو طبيب من صنف الأطباء الذين يتمتعون بقوى عليا والمنتشرين حتى اليوم في أنحاء فارس، أمرها بأن تقتل كلباً وأن تغسل يديها بدمه مما سيساعدها على الشفاء. استدعت المرأة أزعر فارسي لكي يمسك لها كلباً ويقتله في بيتها. بعد ذلك، اندلع بينها وبين الأزعر المسلم خلاف حول أجره. في النهاية، ركض الفارسي، الذي كان مشبعاً بمشاعر الانتقام وأخذ يجوب شوارع المسلمين معلناً أن اليهود قتلوا كلباً في يوم الصوم، المقدس لذكرى أبناء علي المقدسين، وأطلقوا عليه اسم الحسين وبأنهم يتهكمون على الدين الإسلامي".
في ردّ على الفرية، اجتمع كثيرون من الشيعة في ذلك اليوم في المسجد من أجل يوم الصوم ورثاء المسلمين الشيعة وقد خرجوا بحشودهم من المسجد من اجل ذبح اليهود وقتلوا 36 منهم. كانت الجالية اليهودية في ذلك الوقت حوالي 400 نسمة. بعد يوم من أعمال القتل التي قتل فيها عدد من زعماء الجالية وكبارها، أعلن المسلمون عن نيتهم القضاء على الجالية اليهودية ووضعوا اليهود أمام واحد من خيارين إما الدخول في الإسلام وإما الموت. قرر اليهود الذين بقوا على قيد الحياة الدخول في الإسلام وإن كان ظاهرياً من أجل ضمان نجاتهم وأطلق عليهم اسم "المسلمون الجدد".
حياة مزدوجة
عاش المقسورين من مشهد حياة مزدوجة. ظاهرياً، تصرفوا كمسلمين تماماً. ذهبوا الى المساجد كل يوم جمعة لكن استمروا بممارسة العادات والطقوس اليهودية في داخل منازلهم وفي المساء استقبلوا يوم السبت. اعتادوا قبل الذهاب من أجل الصلاة في المسجد أن يتضرعوا الى الله طالبين المغفرة من رب إسرائيل. استخدموا وسائل متنوعة لكي يتفادوا إلقاء القبض عليهم.
لعبت النساء دوراً مركزياً لأنهن كنساء مسلمات، ظاهرياً، كن ملزمات بارتداء التشيدور ولذا كانت أجسادهن مغطاة بالكامل. حظر على المسلمين النظر إلى النساء وكان بإمكانهن أن يحملن من تحت التشيدور كل ما هو مطلوب من أجل احتياجات الجالية.
*أقام المكرهين كنساً في البيوت الخاصة وبرك مطهر في أقباء البيوت.
*حملت النساء كتب التوراة، شالات الصلاة تحت ملابسهن، إلى الكنيس السري.
*اعتاد اليهود على تسمية كل طفل يولد باسمين، اسم يهودي واسم مسلم، تزوج اليهود من بعضهم البعض فقط واعتمدوا حيل مختلفة من أجل تجنب الزواج بالمسلمين او المسلمات.
اعتاد "المسلمون الجدد" على فتح مصالحهم ومحالّهم التجارية أيام السبت ولكن عندما ارتادها الزبائن لغرض الشراء تبين لهم بأن صاحب المحل خرج وسوف يعود بعد قليل. اشتروا لحم غير حلال من ملاحم غير يهودية ورموه للكلاب والقطط.
اعتاد اليهود على القيام بالذبح الحلال سراً فيما نقلت النساء اللحم إلى المنازل تحت ملابسهن.
في عيد الفصح، استمر اليهود بشراء الخبز لكنهم بنوا أفراناً في مداخل البيوت لحرق الخبز لكي لا يدخلوا الخميرة الى بيوتهم.
تم خبز الخبز الفطير في بيوت خاصة بعد ساعات منتصف الليل والأطفال نيام لأن المتطرفين الشيعة اعتادوا استجواب الأطفال ومسائلتهم.
رفض المسلمون أن تكون قبورهم بجانب قبور "المسلمين الجدد"
لقد حلّ المسلمون لليهود مشكلة المقابر وذلك لأنهم عارضوا دفن المسلمين الجدد في مقابر المسلمين.
اعتاد مقسوري المشهد على الحجيج إلى الأماكن المقدسة لدى المسلمين سواء في مكة، كربلاء وحتى في القدس تجنباً لفضح أمرهم. لم يفتضح أمر مقسوري المشهد وذلك لأن المسلمين أنفسهم ابتعدوا عنهم على الرغم من دخولهم إلى الإسلام معتبرين إياهم "يهود نجسون". كان اليهود معزولين في الجيتوهات. باستثناء بعض الحالات المفردة فإن يهود المشهد المكرهين بقوا مخلصين لدياتهم اليهودية.
مع مر السنين بدأت السلطات بالتغاضي عمّا يجري في داخل الجيتو. تحسن الوضع بشكل خاص بعد أن اعتلى الشاه ريزا، والد الشاه الأخير الى الحكم. أصبح المقسورين أكثر جرأة بشكل تدريجي على الرغم من أنهم تجنبوا إظهار ديانتهم اليهودية على الملأ. استغل بعض المقسورين هذا التغيير في طريقة تعامل السلطات معهم وقاموا بمغادرة المدينة.
القدوم إلى إسرائيل
بداية من القرن العشرين بدأ مقسوري المشهد بالقدوم إلى البلاد في مجموعات صغيرة. في البداية، استوطنوا في القدس لكنهم كوّنوا في مطلع سنوات الـ 1930، جاليات لهم أيضا في بني براك، تل أببيب، هرتسليا (التي كانت آنذاك بلدة زراعية) وحولون. قبل بضع سنوات من إقامة دولة إسرائيل وصل مندوبين من البلاد إلى المشهد وحدثوهم عن العودة إلى صهيون واعمار البلاد وعن إحياء اللغة العبرية. افتتح مقسوري المشهد سابقاً مدرسة لتعليم اللغة العبرية.
لكن على ما يبدو، أن علامات العودة الى الديانة اليهودية أثارت غضب المتطرفين الشيعة. عشية عيد الفصح، قبل بضع سنوات من إقامة الدولة كان يهود المشهد مرة أخرى ضحايا لفريات دموية. في أعقاب الحادثة، قرر اليهود الذين بقوا في المدينة المغادرة وحتى مطلع سنوات الـ 1950 غادر غالبية اليهود المدينة. انتقل البعض منهم إلى طهران، أوروبا والولايات المتحدة، في حين قدم غالبية يهود المشهد إلى البلاد.
د. ريفكا شيفك ?ليسك 8.10.2008
http://www.omedia.co.il/Show_Article.asp?DynamicContentID=21813&MenuID=851&ThreadID=1014022
|