|
بقلم منى الطهاوي
نشر أول: 30 كانون أول, 2008
نيو يورك ?"لماذا لا تكتبين عن غزة كونك امرأة عربية؟"
"أين هي أعمدتك في الصحف؟"
"قولي أن الإسرائيليين على خطا"! |
 (المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي)
|
بدأت هذه الرسائل تتوافد مباشرة بعد قصف غزة ومقتل 300 فلسطيني، رامزة إلى ضرورة التأكيد على أن حماس على صواب وأن الإسرائيليين أشرار. قولي هذا، قولي هذا! وإلا فأنت لست عربية بما فيه الكفاية، لست مسلمة بما فيه الكفاية، لست بما فيه الكفاية!
لكن ما الذي يمكن قوله عن صراع دام أكثر من 60 عاماً حتى الآن والتي غذى خلالها مشاعر العرب والإسرائيليين بكونهم ضحايا وبالتالي مطالبتهم بصبّ الاهتمام عليهم دون غيرهم لاعتبارهم أن مذابح أي شعب آخر لا يمكن أن تضاهي مذبحتهم ? أين هي مأساة دارفور، الكونغو أو أي مكان آخر في العالم مقارنة بصراعهم الدموي الذي بالتأكيد كان يمكن الحيلولة دون وقوعه أصلا؟
ألم يقال كل شيء؟ هل تعلموا شيئا؟
ثم ظهر راكب الدراجة الانتحاري في العراق فاضطررت الى الكتابة ليس تعبيراً عن مساندتي لطرف دون آخر إنما من أجل نعي الإفلاس الخلقي وليد حالة النسيان المتفشية في الشرق الأوسط.
يوم الأحد، فجّر راكب دراجة نفسه في وسط مظاهرة معادية لإسرائيل في مدينة الموصل العراقية. إن أسلوب العمل الذي باركه رجال الدين في جميع أرجاء العالم العربي كسلاح ضد إسرائيل انحرف استخدامه ليكون سلاحاً يستخدم ضد العرب الذين يتظاهرون ضد القصف الإسرائيلي على غزة.
يمكن ضبط هذه الحلقة المشوهة والمميتة الكاملة التي اكتملت في شوارع الموصل فقط من خلال إعادة الصياغة لأقوال ماركس ? إسرائيل هي أفيون الشعب.
ما الذي يمكنه أن يفسر حالة النسيان الجماعية التي ظهرت في نهاية هذا الأسبوع في الشرق الأوسط؟
هل نسيت وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني أنها كانت على وشك التسبب بتنحية رئيس الوزراء إيهود أولمرت العام الماضي بسبب حرب لبنان التي شنتها إسرائيل عام 2006، على لبنان تحت ظروف مشابهة جدا لتلك التي سبقت قصف غزة؟ ومع ذلك فإنها تتصدر اليوم كل نشرات الأنباء في محاولة لتفسير الدواعي والدوافع التي دفعت بإسرائيل على العمل ضد الحركة الإسلامية المسلحة حماس التي تسيطر على غزة اليوم؟
هل تريد إسرائيل أن تجعل من حماس بطلة كما جعلت حزب الله من قبل؟
ما الذي حققه الحصار على غزة باستثناء معاناة المدنيين التي لا تهمّ زعمائهم كما لا تهم إسرائيل؟
لدى الحديث عن حزب الله وغير العقّال من الزعماء، هل نسي حسن نصر الله بأنه في الوقت الذي يستنكر فيه قيام مصر بمساندة الحصار على غزة بأنه يعيش في دولة، أي لبنان والتي تحتفظ بأجيال من الفلسطينيين داخل مخيمات لاجئين أشبه بالسجون والمعتقلات؟
وماذا عن المظاهرات في كل من الأردن ولبنان؟ من الذي يذكرهم بما فعله الأردن في سنة 1970، حين قام بقتل عشرات الآلاف عندما كان يحاول بسط سيطرته على الجماعات الفلسطينية هناك مما دفع بجيش التحرير الفلسطيني إلى دخول لبنان سنة 1982، حيث قامت كتائب المسلحين اللبنانيين بذبح 3000 لاجئ فلسطيني في مخيم صبرا وشاتيلا؟
لم يُحاسب أي من عناصر قوات الكتائب حول مسئوليتها عن تلك المذبحة. في سنة 1983، قررت لجنة تحقيق حكومية إسرائيلية تحميل أريئيل شارون، رئيس الدفاع الإسرائيلي المسئولية غير المباشرة على المذبحة لكونه مسئولاً عن عمليات القتل في مخيمات اللاجئين أثناء الاجتياح الإسرائيلي إلى لبنان سنة 1982، لكن لا جدوى للتأمل بلجنة تحقيق عربية!!
إن إسرائيل هي التي تضفي معناً على تصورنا للضحية. تبدو الفظائع التي نرتكبها ضد بعضنا البعض وكأنما لا علاقة لها بهذا التصور.
من الصعب أن تنتقد الفلسطينيين بعد ان مات الكثيرون منهم في نهاية هذا الأسبوع غير أن زعماء حماس في غزة هم آخر الزعماء الذين خيبوا آمالاهم.
بالنسبة لأولئك الذين يفصلون بين الدين والدولة من بيننا، فإن حماس أظهرت حقيقة التخوف بأن ما يهم الأصوليين أكثر هو مواجهة إسرائيل والقضاء عليها أكثر مما تهمهم شعوبهم. إن الفلسطينيين في غزة هم ضحايا كل من إسرائيل وحماس معاً.
أين كان هذا الغضب عندما قتلت تلميذتان قبل يوم واحد فقط من القصف الإسرائيلي اللتان أصابتهما صواريخ حماس التي كانت موجّهة الى إسرائيل بعد أن أخطأت هدفها ؟
بالنسبة لمسقط رأسي، مصر فإن الرئيس حسني مبارك الموجود في الحكم منذ 27 عاماً، تزعم سياسة مدمرة؛ فمن جهة حافظت تلك السياسة على معاهدة السلام التي أبرمها سابقه في الحكم، الرئيس أنور السادات مع إسرائيل ومن جهة أخرى فقد أطلق الرسن للتعبير عن الغضب تجاه إسرائيل عبر وسائل الإعلام التي تملكها الدولة؛ الأمر الذي ساهم في تأجج مشاعر الكراهية الهستيرية للدولة في أوساط المصريين.
صحيح، إن الاحتلال الإسرائيلي للأرض العربية يثير حفيظة المصريين لكن ليس هناك حيّز مطلقاً سواء عبر وسائل الإعلام المصرية، المحافل الثقافية والفكرية للتعاطي مع إسرائيل والنظر إليها بمنظور آخر سوى منظور العدو. كما أنه لا توجد محاولة لتناسي ذلك.
مبارك اليوم عجوز، خائر القوى ولا أفكار جديدة في جعبته فانه يسعى الى اتباع سياسة قصيرة الأمد تحرض جميع الأطراف ضد بعضهم البعض بشكل يحفظ لنظامه مكانته ودوره الحيوي وتجعل الجميع في حاجة إليه.
لكن سؤالي الى المصريين والى غيرهم في المنطقة الغاضبين من إسرائيل هو أين غضبهم هذا من انتهاكات حقوق الإنسان، التعذيب والقمع في دولهم؟ لو كان بإمكان هذه الجماهير المحشودة أن تجتمع بهذا الشكل كل أسبوع في عواصم البلدان العربية لتمكنت منذ سنين عديدة من الإطاحة بالدكتاتوريين الذين يحكمونها منذ سنوات طويلة!
إن المطالبة بالمزيد من العنف هو تدنيس لذكرى القتلى الفلسطينيين الذين سقطوا نهاية هذا الأسبوع. وهو أمر أثبت فشله على مدار 60 عاماً.
إننا سنحترم الموتى من خلال القضاء على حالة النسيان التي تصيب المنطقة الى أن تحترق المحرمات. الحديث عن حماس؟ على إسرائيل أن تفعل هذا إذا كان الأمر سيضع حداً للعنف. التركيز على القضايا الداخلية في كل دولة عربية وتجاهل الأفيون المسمى إسرائيل؟ على الجميع، مصريين، لبنانيين، وسوريين أن يفعلوا هذا قبل أن تنهار دولهم من أجل فلسطين.
لا يزال الفلسطينيون بلا دولة. يا للعار على كل دولة عربية اذا فشلت ..... من أجل فلسطين
منى الطهاوي صاحبة عامود في صحيفة المصري اليوم والعرب القطرية. تسكن في نيويورك.
http://www.thedailynewsegypt.com/article.aspx?ArticleID=18767 |